ابتلاء سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم

ابتلاء سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم (1)









خليجية

الناظر في سيرة سيد ولد آدم ولا فخر، محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ يجد أن البلاء والمحن تغشاه من كل جانب، وفي كل مراحلها، ففي الصغر، والكبر، والكهولة، وفي حال الاستضعاف، وحال الأمن والتمكين، وفي خاصة نفسه، وفي أقرب الناس إليه، وفيما يحيط به، تتراءى صور الابتلاء، فما سلم صلى الله عليه وسلم من الابتلاء لحظة واحدة، ولا تركه البلاء يوماً ليتعافى ويرتاح، ولا غادر البلاء بأي صورة من صوره رحله، فقد كان الابتلاء والبلاء في رحله صلى الله عليه وسلم لا يبرحانه ولا يتركانه.

وإذا نظرت في صنوف البلاء المختلفة وجدتها مسلطة على النبي صلى الله عليه وسلم في نفسه وجسده، وأهله وأصحابه.
وإذا نظرت إلى الشدائد في حياة المؤمن؛ وجدت أن شدة نزولها إنما تكون في رحل النبي صلى الله عليه وسلم، وفي هذا من الخير الكثير ما فيه، له ولأتباعه، ولكل راغب في الاقتداء به، واقتفاء أثره، والأخذ بسننه ليوم الدين، لأن هذا هو طريق الصالحين وطريق الدعوات، وبغير هذا الطريق لا يكون النصر والتمكين، ومن أراد غير ذلك؛ فليعتزل هذا الطريق، وليبعد عنه، وليعفي نفسه من شرف متابعة النبي صلى الله عليه وسلم.
وعند النظر في سيرته صلى الله عليه وسلم فإنه يمكن لنا أن نصف الابتلاءات التي مرّ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يلي:
1- الابتلاء باليتم في الصغر:
الناظر في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم؛ يجد أن أول ابتلاء وقع فيه؛ هو أنه قد ولد يتيم الأب، فقد مات أبوه وهو طفل في بطن أمه، فخرج إلى الدنيا ولم يجد أباً يرعاه، ولا والداً يعتني به، ولئن كان جده وأعمامه قد اعتنوا به، إلا أنه يبقى يتيماً، ذلك لأن مقام الوالد من ولده لا يسده أحد، ولا يقوم بوظيفته سواه، وما كاد صلى الله عليه وسلم يهنأ بأمه التي ولدته حتى توفاها الله، وكان عمره إذ ذاك ست سنوات، فاجتمع عليه اليتم وهو صغير، والناظر في حال أي يتيم؛ يجد أن اليتم يترك آثاره في نفسه، ولقد كان لليتم آثاره في نفس النبي صلى الله عليه وسلم، لكن الله تعالى قد أعانه على اليتم وعطف عليه قلوب جده وأعمامه، وحببه إلى الناس، ويسر له المراضع، مما خفف من وقع اليتم عليه، ولقد ذكّره الله سبحانه وتعالى بتخفيفه لآلام اليتم عليه، وذلك في سياق ذكره للنعم التي أنعمها عليه، وفي هذا يقول الله تعالى: }ألم يجدك يتيماً فآوى{.
والناظر في ابتلاءاته صلى الله عليه وسلم باليتم بفقد أبويه، يجد أن فيه تعليماً وتوجيهاً لأولئك الأيتام من أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة؛ بأن يحتمل أولئك ابتلاء اليتم ويصبروا عليه، وأن يتذكروا أنهم ليسوا هم الأيتام فقط، فقد كان خير الناس وسيد ولد آدم محمد صلى الله عليه وسلم يتيماً.
كذلك، وفي تذكر هذا والنظر فيه؛ ما يخفف الآلام الكثيرة التي يجدها اليتيم في حياته، وما تجده أم اليتامى التي تقوم عليهم في حياتها.. كما أن في هذا الأمر من معالم الصبر والقدرة والاتباع للنبي صلى الله عليه وسلم ما فيه، ذلك لأن المؤمن مطالب بالاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في حياته كلها، حلوها ومرها، شدتها ورخائها، غناها وفقرها، خوفها وأمنها، وأن من حياة النبي صلى الله عليه وسلم جانب الابتلاء والشدة، وقد عالج النبي صلى الله عليه وسلم هذا الجانب بالعلاج المناسب له من الثبات والصبر والاستعلاء على الآلام والاستعانة بالله سبحانه وتعالى، في ذلك كله، حتى ذللت له تلك المصاعب والعقبات.
وإن المرء المسلم مأمور بالاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في كل شيء بأمره تعالى: }لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً{، ومطالب بالاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في معالجته للشدائد التي تمر به بالصبر والثبات والاستعلاء على الآلام والجراح والاستعانة بالله سبحانه وتعالى، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، ليكون هذا جزءاً من جانب القدوة بالنبي صلى الله عليه وسلم، إذ فيه من التخفيف للآلام التي تصيب المبتلى بعامة، والمبتلى بيتم أبنائه أو أقربائه بخاصة الشيء الكثير، ذلك لأن من علم أن خير الناس وسيد ولد آدم مثله في اليتم أداه ذلك إلى مزيد صبر واحتساب وخفف عليه مصابه، وخفف من مصاب اليتيم وغمره بجانب الرحمة والسكينة والطمأنينة لكونه يشبه حال النبي صلى الله عليه وسلم.
2- الابتلاء بالفقر: الناظر في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، والدارس لسيرته العطرة؛ يجد أن الفقر قد ضرب أطنابه عليه في مراحل حياته كلها، ففي صغره كان صلى الله عليه وسلم فقيراً، حتى كان يرعى الغنم لقومه، وفي هذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ما من نبي إلا رعى الغنم"، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "وأنا كنت أرعاه للناس على قراريط".
وفي فترة شبابه؛ كان الفقر يضرب أطنابه على بيته، ويحل برحله، فقد كان صلى الله عليه وسلم رجلاً فقيراً، حتى أن الله تعالى قد ذكر امتنانه عليه فقال: }ووجدك عائلاً فأغنى{، حتى أحوجه هذا إلى الخروج في التجارة مع الناس إلى الشام، حتى أكرمه الله تعالى بالزواج من خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، التي واسته بمالها، وخففت عليه، حتى شهد لها النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: "قد أمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله أولادها، وحرمني أولاد الناس".
وفي الإسلام؛ عانى النبي صلى الله عليه وسلم من الفقر شدته، حتى كان ما يجد الطعام في بيته، ولا توقد النار في بيته صلى الله عليه وسلم شهرين، وكان طعامه طعام الفقراء، التمر، وما أكل صلى الله عليه وسلم أكلتين في يوم واحد، وكان صلى الله عليه وسلم يطوف بيوت نسائه، فلا يجد عندهن شيئاً إلا الماء، وحتى أنه صلى الله عليه وسلم قد مات ودرعه مرهونة عند يهودي في شيء من شعير، ولم يقف الحال في فقره عند هذا الحد، بل تجاوزه إلى شكوى نسائه من الفقر، ومراجعتهن له حتى اقتضى ذلك أن ينزل الحكم من السماء بتخييرهن بين العيش معه والرضى بالفقر، أو الفراق، فما كان منهن إلا اختيار النبي صلى الله عليه وسلم، وقد سجل القرآن ذلك، وفي هذا يقول الله تعالى: }يا نساء النبي إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرّحكن سراحاً جميلا، وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجراً عظيماً{.
هذا حال النبي صلى الله عليه وسلم مع الفقر، والذي اختاره على الغنى، فلو أراد الدنيا لأتته راغمة تهرول، لكنه يريد الآخرة ويسعى لها، ولقد حدّث صلى الله عليه وسلم عن حاله في الدنيا وزهده فيها وتركه لها، فقال: "إني عُرض عليّ أن تجعل بطحاء مكة ذهباً، فقلت: لا يا رب أجوع يوماً، وأشبع يوماً، فأما اليوم الذي أجوع فيه؛ فأتضرع إليك وأدعوك، وأما اليوم الذي أشبع فيه؛ فأحمدك وأثني عليك".
وفي فقره صلى الله عليه وسلم؛ درس وعبرة وعظة لأولئك الفقراء من المؤمنين بأن سيدهم وسيد ولد آدم وخير الناس محمد صلى الله عليه وسلم قد ذاق من الفقر شدته، حتى كان حاله كما تقدم بنا وصفه، ليصبر هؤلاء وليقتدوا بقائدهم وحبيبهم ونبيهم صلى الله عليه وسلم في صبره على بلاء الفقر وشدته، وليقتدوا به في عدم الاستشراف للدنيا والتعرض لها، وليكون ذلك دافعاً لهم إلى مزيد احتمال لشدة الفقر، ومزيد تحمل لبلائه، ومزيد تعال على شدته وكربته، ليكونوا كما أراد لهم النبي صلى الله عليه وسلم، صُبراً عند الشدائد، صُدقاً عند المواقف، وتفرح بهم نفس المؤمن، وتُغاظ منهم نفس الكافر، ليكون ذلك أمراً معلوماً في حياتهم، ليؤجروا بما اقتدوا فيه بالنبي صلى الله عليه وسلم، والله المستعان.

شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك … لك مني أجمل تحية .

يسلمو الايادي

جزاك الله خيرااا

بارك الله فيك
وجعله فى ميزان حسناتك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.